06:17 م - الخميس 23 / سبتمبر / 2021

  تردد القناة 10873 V

محمد أبو ندى يكتب: خيارات سلطوية استراتيجية ومقاومة تكتيكية

محمد أبو ندى يكتب: خيارات سلطوية استراتيجية ومقاومة تكتيكية

القدس اليوم- بقلم أ. محمد أبو ندى

المعلوم أن كل مؤسسة حزبية أو مدنية تحمل في طياتها أهدافا منها ما يكون ظاهرا معلنا، وآخر غير معلن، وقد ذهبت الساحة الفلسطينية لجدل كبير منذ عقد ونصف من الزمن بسبب الانعطاف السياسي للمقاومة وهدفها من دخول السلطة وممارسة تجربة الحكم تحت الاحتلال وفي محراب أوسلو، وقد فتح الباب لكثير من التساؤلات عن طبيعة هذه التجربة وكيفية ادارة ملفان متناقضان في آن واحد السلطة والمقاومة، وعن أولويات المرحلة هل السلطة أولا؟ أم المقاومة أولا؟، وعن حقيقة أهدافها المعلنة وواقعيتها ، وما يعطي المبرر لكثير من التساؤلات هو ما يحيط بها من مجتمع دولي وضع على سلم أولوياته السياسية رعاية دولة الكيان واستقرارها الأمني في المنطقة العربية والإسلامية، إضافة لواقع اقليمي ذهب من عقود للحل السياسي مع دولة العدو الصهيوني، فضلا عن التزاماته الأمنية مع دولة الاحتلال .


فمن الأهداف المعلنة التي طرحت أبان سيطرة المقاومة على السلطة في غزة هو حماية ظهر المقاومة والتغيير والاصلاح ، بينما حقيقة الأمر قبل السيطرة على غزة، فقد كانت المقاومة تمارس عملها السياسي والعسكري والجماهيري والاجتماعي بحرية كبيرة خاصة بعد 2002م، دون احتياجها لحماية سلطوية حينها، لاسيما أن السلطة كانت غير قادرة على قمع حركات المقاومة في غزة والضفة كما السابق، وذلك بفعل المتغيرات الكبيرة التي غيرت موازين القوى في الشارع الفلسطيني، حيث أصبحت المقاومة تتمتع بقاعدة جماهيرية كبيرة كانت تشكل لها أكبر حماية وطنية، وأصبحت المقاومة ثقافة عامة زرعت في عقل الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني ومنهم أبناء وضباط الأجهزة الأمنية للسلطة حينه، فلم تعد ثقافة المقاومة تحصر في اطار حزبي ضيق، بل كانت تشكل وعيا مجتمعيا وجماهيريا في الشعب الفلسطيني على امتداد حدود الوطن المحتل، والذي شكل للمقاومة الحصانة والقوة أمام اجهزة أمن أوسلو التي وصلت لمرحلة أجبرت فيها على التفاوض مع قوى المقاومة، فذهبت السلطة لقناعة جديدة بوجود المقاومة كحالة سياسية وعسكرية فاعلة وقوية، فظهر المقاومة كان محصنا ومحميا، فكانت المقاومة تضرب متى تشاء في قطاع غزة والضفة المحتلة والداخل الفلسطيني المحتل، وكانت تطور برامجها العسكرية من تدريب وتصنيع، وأنفاق هجومية، واقتحامات لمواقع عسكرية، وتفجير عبوات، وقنص، ومواجهة اجتياحات العدو للمدن الفلسطينية، وقد سجلت المقاومة انتصارات كبيرة في تلك الفترة ما قبل 2006م صنعت لها حضور سياسي كبير على المستوى المحلي والإقليمي والدولي.


وبسبب هذا التحول السياسي في موازين القوة في الساحة الفلسطينية فقد بدأ العالم يفكر في مواجهة المقاومة خارج حدود المعركة العسكرية والميدانية، وبما ان العالم أدرك أن هذه المقاومة ليس من الممكن كسرها بما تملك من الحضور الشعبي والجماهيري والتغلغل الثقافي في العقل الفلسطيني ، فقد انشغل العالم المتآمر في العمل للإطاحة أولا بهيبة المقاومة ومشروعها الأخلاقي بإقناعها في دخول السلطة وزجها في صراعات سلطوية داخلية، ولتقويض حضورها الشعبي والجماهيري، ولإنهاء حضورها كثقافة في الشعب الفلسطيني، ومن ثم العمل على افشال مشروعها السياسي رويدا رويدا كما أفشل المشروع الوطني من قبل ممثلا بمنظمة التحرير الفلسطينية من خلال اقناعه بمشروع السلطة تحت الاحتلال.


وقد أظهرت تصريحات الوزير القطري المشهورة عن دور دولته في اقناع حماس في الدخول للسلطة بطلب أمريكي، ومما هو معروف أن الدور الأمريكي المتآمر دائما يدير المعركة السياسية نيابة عن العدو الصهيوني عبر أدواته الاقليمية، والتي استقرت اليوم في الدوحة وأنقرا وبعض العواصم المشبوهة، وقد وجدت ضالة هذا المشروع الصهيوأمريكي في حماس ليس عبثا، وإنما هي قراءة لأيدولوجية الحركة الاخوانية التي تعتقد أن مشروع السلطة والحكم احد أهم وسائلها في عملية التغيير المجتمعي والسياسي الكبير الذي تطمح له الحركة، وقد وجد العرض الأمريكي القطري بدخول السلطة والحكم انسجاما وترحيبا كبيرا من حماس على اعتبار أنه يمثل أهم طرق الوصول لتحقيق أهدافها الفكرية والسياسية، حيث أن هذا التوجه السلطوي لحماس لم يكن معلن ضمن أجندات الحركة السياسية في الساحة الفلسطينية قبل خوض الحركة هذه التجربة ، وذلك كان لخصوصية تجربة الحركة الاخوانية تحت الاحتلال في فلسطين عن غيرها من دول العالم العربي والاسلامي، فقد كان يشكل لها حرجا سياسيا في مراحل الصراع مع العدو الصهيوني، حيث أن هذه الرؤية الايدلوجية هي عبارة عن قناعة قديمة للحركة الاخوانية منذ بداية عقد الثمانينيات، فقد كانت تؤسس لمشروع سلطوي تحت الاحتلال، وكانت ترى تأجيل المقاومة في فلسطين، والعمل تحت الاحتلال في برامج اعداد واصلاح ديني وثقافي للمجتمع وادارة بلديات وغيرها من القضايا الاصلاحية البعيدة عن الصدام مع المحتل حسب رؤية الحركة، لكن تغير الظرف السياسي قد اضطر الحركة حينها لتغيير مسارها السلطوي ولو بشكل مرحلي، والذي يؤكد حقيقة هذا التوجه الأيدولوجي الاخواني لحماس تغيير ميثاقها مبكرا والقبول بحل 67، وذلك كمبادرة سياسية منها لاستحقاق السلطة امام المجتمع الدولي والإقليمي، تقول فيها حماس أنه من الممكن التعايش في مشروع سلطوي بجانب وجود الاحتلال والتفاوض معه، وكقناعة داخلية لدى الحركة بفكرة الواقعية السياسية والحلول المؤقتة التي جاءت بمنظمة التحرير إلى السلطة من قبل.


قد يكون وضع الأمور بمسمياتها وتشخيص حقيقة الحالة السلطوية، هو أحد أهم طرق حماية مشروع المقاومة كمشروع وطني ببعده الاستراتيجي في فلسطين، ولكى لا تستخدم المقاومة ورقة تكتيكية لخدمة مشاريع سلطوية وحزبية ضيقة في الوقت الذي يعلو فيه صوت تبرير دخول السلطة لحماية ظهر المقاومة، وحتى لا يقدم أية مكون سياسي سلطوي للمقاومة امتيازا بحماية ظهر المقاومة، فالمقاومة تمتلك القدرة لأن تشكل حصانة لنفسها كما فعلت في انتفاضة الاقصى بعد 2000- 2006م، وهي تمتلك وحدها الرؤية الثاقبة في التفريق بين مشاريع الحق والباطل في وقت التيه والضياع، فالمقاومة اداة وعي وقوة، فالمقاومة المقدسة التي تسكن وعي شعبها المجاهد وتنطلق من معتقداته الدينية هي من تستطع تحديد أولوياتها وتحالفاتها التي تشكل لها العمق السياسي الذي يضمن لها استمرارية مشروعها والمساندة والدعم بكافة المستويات.


فنحن امام مشهد سياسي ينحدر سياسيا في حقيقته، حيث انه قدم نفسه لحماية ظهر المقاومة، فوجد نفسه أمام استحقاق سلطوي برعاية أمريكية يقوض دور المقاومة، وقد جاء للإصلاح والتغيير فوجد نفسه في شبهة مرتع فساد السلطة وزيادة الأعباء على الناس، وقد جاء يحمل في شعاراته الموت لاسرائيل فوجد نفسه يقدم تنازلا سياسيا كبيرا في تغيير مبادئه والقبول بسلطة على 20% من أرض فلسطين على حدود حزيران في عام 67.


واكمالا لهذا الدور الامريكي القطري في افشال مشروع المقاومة في فلسطين، يزداد في هذا الوقت العمل على اغراق المقاومة أكثر وأكثر في الدوران السياسي بالفلك الأمريكي ، فالرعاية الاقليمية للملف السلطوي في فلسطين لم تنفك عن التوجيهات والقرارات المباشرة من البيت الأبيض المتآمر، وهذه الأدوات الأمريكية الإقليمية ما هي إلا لتمرير مشاريع تخدم الإحتلال في كسر المقاومة وحضورها الشعبي واغراقها في أزمات وفساد السلطة، والعمل على توريطها باستحقاق السلطة الأكبر في حماية أمن المحتل واستقرار مشروعه السياسي على أرض فلسطين.


الحفاظ على استقرار السلطة في غزة قد حذا بالأمر لنظرية ترشيد المقاومة على المستوى النظري ، والترجمة العملية كانت لهذه النظرية في الغرفة المشتركة المكبلة باستحقاق مطلب الهدوء القطري، والتي سقطت بعجزها السياسي أمام دماء شهداء مسيرات العودة، وأمام دماء وبطولة الشهيد القائد بهاء أبو العطا الذي صنع من وعيه المقاوم أمة تشاركه في عنفوانه وجهاده وليس غرفة مشتركة تقهر عزته وكرامة شعبه المظلوم.
تجارب المرحلة السابقة توجب علينا التقييم والوقوف على مخرجاتها السياسية ، فالعقل الصهيوأمريكي يبحث دائما عن ادوات لتنفيذ مخططاته يجعلها محرقة لأهدافه، لذلك في كل مرحلة جديدة لابد من هدف يكون محور التركيز الأمريكي ، وقد بدأ العمل بالتوقيت الصهيوأمريكي منذ الدخول القطري التركي للملف الفلسطيني ، والظاهر ان الهدف الأمريكي يتطور في الوصول لمبتغاه في افشال المشروع السياسي المقاوم، فهو بدأ يحصد ثمار جهده في الوقت الذي أقنع المقاوم الفلسطيني تقديم التنازلات عن مبادئه الكبيرة بتغيير بنود وثيقته السياسية ، وتحويله لسلطة منهكة مكبلة بالأزمات، وذلك لمساومتها وهي تبحث عن حلول معيشية تغطي فيها ارزاق شعبها بتقديم الهدوء والأمن والاستقرار لدولة الاحتلال.


فأنصاف الحلول ما هي إلا بداية التنازل عن حقنا في المقاومة، فمستوى الصراع الفلسطيني مع العدو الصهيوني كبير ويحتاج لحلول طويلة النفس تتمسك بالمبادئ والثوابت السياسية دون تغيير فيها، حيث أنه من الظواهر المتكررة في تاريخ الصراع مع العدو بتوجه بعض قوى المقاومة في منتصف الطريق لتغيير مبادئها السياسية القبول بأنصاف الحلول، بينما العدو في كل مرحلة من مراحل الصراع يرفع سقفه السياسي ويجبر الشعب الفلسطيني على التنازل عن مبادئه السياسية، ما يقدم على الطاولة من تصورات سياسية في ادارة الصراع مع العدو الصهيوني فهي لا تلبي أدنى متطلبات القضية الفلسطينية واستمرارية حضورها كقضية شعب مظلوم في هذا العالم، سواء من ذهب للتسوية ورفض كل مضامين المقاومة تحت عنوان السلام الموهوم الذي يقتل شعبنا في الضفة والقدس ليلا ونهار ويتنعم على قطعان المستوطنين القتلة بالأمن، أو من تمسكوا بالمقاومة وقبلوا بتكبيلها وتأجيلها أمام استحقاق السلطة وقد يكون لسنوات ضمن تصور هدنة طويلة الأمد في ظل حالة الاعتداء على الدماء والمقدسات وتهويد الأراضي الفلسطينية في الضفة والقدس، فالعدو الصهيوني يقبل هذا السقف السياسي من الشعب الفلسطيني كما قبل لكثير من أنظمة التطبيع امتلاك السلاح الذي يفوق مقدراتنا العسكرية كمقاومة بما لا يقارن، لكن باتفاقات ذل وتكبيل لهذا السلاح، فالعدو الصهيوني لا يقبل إلا التنازل من الشعب الفلسطيني، لذلك فالقضية الفلسطينية تحتاج في هذه المرحلة لمواقف كبيرة وما دونها ليس في ركابها، فالسراب لن يذهب ظمأ كما تجارب السلطة لم تصنع مستقبلا للتحرير ولم تستطع صناعة توازنات للقوة مع العدو، كما ولن تستطيع أن تقدم لمصلحة القضية الفلسطينية، فالسلطة تحت الاحتلال دائما تحتاج من يقدم لها، وما تحتاجه أمريكا منا اليوم أن نقدم رأس مقاومتنا لخدمة مشروع السلطة والحكم الذي بحث عنه فريق أوسلوا من قبل ولم يجدوه في العقل الصهيوني إلا وهم وسراب.


فمعادلة فلسطين لن تقبل الا ما ينسجم مع متطلباتها الكبيرة، فهي أم القضايا وهي محرك العقارب في أرجاء العالم بصوت شهدائها ومقاومتها الواعية، والرهان على الزمن لن يبقي إلا صوت فلسطين ومقاومتها هو الأعلى وما دونه باطل سيزهقه.